هل الغيبة تبطل الصيام
تُعدّ الغيبة من أكثر الذنوب انتشارا بين الناس، خاصة في المجالس اليومية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع دخول شهر رمضان، يكثر التساؤل: هل الغيبة تبطل الصيام؟ وهل يفسد الصوم إذا اغتاب الإنسان غيره؟
هذا السؤال مهم، لأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو عبادة تهدف إلى تهذيب النفس وضبط اللسان والجوارح.
ما هي الغيبة؟
الغيبة هي ذكر الإنسان أخاه بما يكره في غيبته، كما عرّفها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
“ذكرك أخاك بما يكره”.
فقالوا: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته”.
إذن الغيبة تكون حتى لو كان الكلام صحيحا، ما دام الشخص يكره أن يُذكر به.
هل الغيبة تُبطل الصيام؟
من حيث الحكم الفقهي البحت، جمهور العلماء على أن الغيبة لا تُبطل الصيام بمعنى أنها لا تُفسده ولا توجب القضاء، لأنها ليست من المفطرات المعروفة كالأكل والشرب والجماع.
لكن هذا لا يعني أن الأمر بسيط أو هين.
فالغيبة تُنقص أجر الصائم نقصا شديدا، وقد تحرم صاحبها من ثواب صيامه، حتى قال بعض السلف: “أهون الصيام ترك الطعام والشراب”.
الفرق بين إفساد الصيام ونقصان الأجر
ينبغي التفريق بين أمرين:
- إفساد الصيام: أي بطلانه ووجوب القضاء.
- نقصان أجر الصيام: أي ذهاب الثواب أو ضعفه.
الغيبة لا تُبطل الصيام عند جمهور الفقهاء، لكنها قد تذهب بأجره.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.
وهذا الحديث يدل على أن الصيام الحقيقي ليس مجرد امتناع عن المفطرات، بل امتناع عن المعاصي أيضا.
رأي بعض العلماء
ذهب بعض أهل العلم إلى التشديد في هذا الباب، حتى قالوا إن المعاصي الكبيرة قد تُحبط أجر الصيام، واستدلوا بآثار عن بعض الصحابة والسلف الذين كانوا يرون أن الغيبة تخرق الصوم.
لكن جمهور العلماء لم يقولوا ببطلانه من الناحية الفقهية، وإنما أكدوا على أن المعاصي تُذهب روح الصيام وثمرته.
أثر الغيبة على روح الصيام
الصيام شُرع لتحقيق التقوى، كما قال الله تعالى:
“لعلكم تتقون”.
والتقوى تعني مراقبة الله في السر والعلن، وضبط اللسان قبل الجوارح.
فإذا صام الإنسان عن الطعام ولم يصم لسانه عن الغيبة والنميمة، فقد أضعف المقصد الأساسي من الصيام.
اللسان من أخطر الجوارح، وقد يكون سببا في ضياع حسنات كثيرة، خاصة في رمضان حيث الأجور مضاعفة.
ماذا يفعل من اغتاب وهو صائم؟
إذا وقع الصائم في الغيبة، فعليه أن:
- يتوب إلى الله توبة صادقة.
- يندم على ما فعل.
- يعزم على عدم العودة.
- يكثر من الاستغفار والأعمال الصالحة.
واختلف العلماء هل يجب عليه أن يطلب المسامحة ممن اغتابه، أم يكفي أن يدعو له ويذكره بخير، والأمر فيه تفصيل بحسب الحال والمصلحة.
خلاصة الحكم
يمكن تلخيص المسألة في الآتي:
- الغيبة لا تُبطل الصيام عند جمهور العلماء، ولا توجب القضاء.
- لكنها ذنب عظيم يُنقص أجر الصائم وقد يحرمه من الثواب الكامل.
- الصيام الحقيقي يشمل صيام الجوارح كلها، وليس البطن فقط.
في النهاية، رمضان فرصة لتطهير اللسان قبل الجسد.
فكما نحرص على تجنب الطعام والشراب في نهار رمضان، ينبغي أن نحرص على تجنب الغيبة والنميمة وسائر المعاصي، حتى نخرج من الشهر وقد تحقق فينا معنى التقوى، ونفوز بصيام مقبول وأجر كامل عند الله تعالى.
اقرا ايضا: إفطار النبي وسحوره في رمضان